وثيقة البوسفور

إن العالم يقف في مواجهة مشكلات خطيرة . فالعولمة تطرح تحديات كبيرة وفرصاً فريدة. وطرق التواصل الجديدة تجمع بين ثقافات وتقاليد دينية مختلفة لم تكن متصورة من قبل.

العولمة تخلق أيضاً انقسامات وتباينات جديدة. والعواقب الاقتصادية للعولمة تفرض تحديات خطيرة ثقافياً وسياسياً، تحديات محسوسة في كافة أرجاء العالم وينظر اليها على أنها تهديد للهوية الوطنية.

يتعين على عالمنا الذي يتقلص باستمرار أن يعمل بمزيد من الجد لكي يحقق السلام والاستقرار. إن كل مجتمعات العالم تواجه تلك المشاكل الخطيرة مثل الفقر، والأمية، ووفيات الأطفال، والحروب ، والإرهاب، والتعذيب، والاتجار في البشر، والمخدرات، وعدم المساواة الاقتصادية، والفساد والتمييز. ونحن بحاجة، لكي نتصدى لتلك المشاكل الملحة، الي قيم قوية من جانب، واليات فعالة من جانب آخر.

فلا يمكن للقيم أن تحتفظ بفحواها وملاءمتها من دون اليات فعالة، ولا تستطيع الاليات أن تؤتي ثماراً دون أن تكون قائمة على أساس من القيم . ونحن ، كأعضاء في اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، نمثل البلدان الإسلامية في العالم، نعتقد أن لدينا تلك القيم وأن باستطاعتنا أن نعمل معاً لإيجاد اليات من شأنها أن تجعل تلك القيم ملائمة لحياتنا.

ولايمكن بناء مجتمع ديمقراطي وحر وتسود فيه المساواة إلا إذا تمت الاستجابة لاهتمامات واحتياجات أفراده من خلال الوسائل المشروعة. فالمجالس البرلمانية قد أنشئت لتلبية الاهتمامات المشروعة للشعوب، وهي المسئوولة عن الجمع بين القيم والاليات الفعالة.

كما أنها أكثر مؤسسات التمثيل أهمية بين الحكام والمحكومين . والإرادة المجتمعية التي تمثلها المجالس البرلمانية لا غنى عنها للسلام والنظام في المجتمع .

نحن على يقين من أن القيم الأساسية للإسلام هي قيم عالمية. فقيم العدالة والسلام، والمساواة، واحترام الآخر، وسيادة القانون، والمساءلة، والقيم الأخلاقية والأسرية، قيم تشترك فيها كل المجتمعات بغض النظر عن ثقافتها ودينها . إن المصير المشترك للبشرية يزدهر بوجود تلك القيم. فعالم لا يبالي بالقيم الإنسانية ليس بمقدوره أن يدعى تمثيل الحضارة والتقدم. والعالم الذي لا يسترشد بهذه القيم العالمية لا يعدو أن يكون مرتعاً للفوضى واليأس والظلم والعنف والإرهاب.

على جميع شعوب العالم أن تظل موحدة لكي تبنى عالماً يرتكز على قيم عالمية إنسانية. ولا ينبغي أن تكون الاختلافات الدينية والتاريخية والسياسية بين المجتمعات منطلقاً للصدام والمواجهة . فالعالم الديمقراطي ليس هو العالم الذي يفكر كل إنسان ويعيش فيه بنفس الأسلوب. فالديمقراطية هي نظام تتعايش فيه الأفكار المختلفة. ويمكن إقامة نظام عالمي ديمقراطي وحر وعادل عندما تبدي الثقافات والمجتمعات المختلفة إرادة في التعايش في سلام وانسجام. ونحن نؤمن بإمكانية التعايش مع الاحتفاظ باختلافاتنا.

إن العالم الإسلامي بما يزخر به من قيم عامة، وإرث تاريخي ثري، وقوة سكانية فتية، وبنية اجتماعية ديناميكية، وموارد طبيعية يواجه تحديات هائلة وفرصاً ضخمة . ويتعين على الدول الإسلامية أن تسعى جاهدة نحو إرساء نظام عالمي عادل. وعلى المجتمعات الإسلامية أن تتحلى بالديناميكية وأن تكون فاعلاً للتاريخ، لا أن تكون سلبية وتحركاتها مجرد رد فعل.

أرست التقاليد الإسلامية مبادئ المجتمع الفاضل الذي يتسم بالعدالة والمساواة وضمنت استمرار الحكم القائم على المشاركة والتمثيل النيابي. وفي ضوء هذه المبادئ اكتسبت المجتمعات الإسلامية خبرة ثرية للحكم العادل والتعددية الثقافية. إنها التجربة التي مكنت تلك المجتمعات من أن تتعايش مع مختلف التقاليد الثقافية والدينية في سلام ووئام.

إن على المجتمعات الإسلامية والقادة المسلمين اليوم حشد طاقاتهم الروحية ومواردهم المادية للتغلب على هذه المشكلات الملحة كالفقر، والفساد، والأمية، والأوبئة، وعدم المساواة، والعنف، والإرهاب. لقد أحدث تلك المشكلات، وغذاها، عدد من العوامل الداخلية والخارجية، بيد أن مسئولية التعامل مع تلك المشكلات تقع على عاتق المجتمعات الإسلامية. إن إلقاء اللوم على الآخرين أو التصرف بإحساس الضحية أو اللجوء الي العنف، لا يجدي  مع التصدي لأي من تلك المشكلات.

نحن، كأعضاء في اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، نؤمن بأن العالم الإسلامي لديه الطاقات والموارد لحل مشكلاته. ولكي يتسنى لنا ذلك علينا أن نجمع بين قيمنا العامة والاليات الفعالة وهذه مسئولية نضطلع بها جميعاً.

نحن نؤمن جميعاً  بأن علينا أن نوطد دعائم  التعاون والتسامح، بدلاً من الصدام والمواجهة بين مختلف الثقافات والحضارات. فإذا ما كان للثقافات المختلفة أن تتعايش في سلام وانسجام، فيجب النظر اليها جميعها على قدم المساواة. إنها أيضاً مسئولية كل إنسان أن يحترم الاختلافات الدينية والثقافية للمجتمعات الأخرى.

نحن نناشد جميع مؤسسات المجتمع المدني والعناصر السياسية الفاعلة أن ترفع صوت الضمير ضد تصاعد موجة إساءة للإسلام. فكراهية الإسلام، مثل معاداة السامية والعنصرية، يجب رفضها بوصفها جريمة ضد الإنسانية، فمما يتنافي مع القيم الإنسانية التمييز ضد مجتمع استناداً الي دينه وثقافته والاستخفاف بقيمه المقدسة والازراء بها. إنه في وسعنا التغلب على مشاكل الاختلافات الثقافية والهجرة والتكامل والعنف والإرهاب، فقط عندما يكون لدينا فهم حقيقي وتعاون شامل بين شركاء متساويين. وتحقيقا لهذه الغاية تتحمل القيادة السياسة والجماهير كافة مسئولية كبرى.

إن على قادة المجتمعات الإسلامية والغربية اتخاذ خطوات ملموسة للحيلولة دون نشوب النزاعات وكفالة السلام والاستقرار. وتحقيقاً لذلك يتعين إعادة النظر في الأفكار النابعة عن التاريخ والسياسة  والمتمركزة في أوربا، واحترام وجهات النظرالدينية والثقافية للمجتمعات الإسلامية وتلبية مطالبها السياسية المشروعة.

يجب علينا جميعا، بالرغم من اختلاف الدين أو اللغة أو الثقافة أو العرق، أن نعمل سوياً للتصدي للمشكلات الخطيرة التي تواجهنا. والقيم المشتركة للإنسانية سيكون لها مستقبل إضافة الي تضافر جهود وإسهامات  كل منا سعياً نحو تحقيق الخير للجميع. إن للبرلمانات، الممثلة للاهتمامات المدنية المشروعة لمجتمعاتها، دوراً حيوياً في إيجاد هذا الصالح المشترك.

نحن، أعضاء في اتحاد مجالس البلدان الإسلامية، نناشد جميع شعوب العالم العمل من أجل تحالف الحضارات لإعادة وبناء السلام العالمي.